فصل: مسألة الرجل يأتي على الرجل بشاهد واحد هل يحلف معه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة اجتماع الشهادتين:

وسأله رجل، فقال: شهد لي شاهدان أني وارث فلان، فشهد أحدهما أنه لا وارث له غيري، وشهد الآخر أني وارثه ولا وارث له غيري وامرأته، فقد اجتمعت الشهادتان أني وارثه، فقال: أرى أحدهما يكذب الآخر، وما أرى أن تقبل شهادة من شهد هكذا بحتم، فقال: لا أشهد أن فلانا وارث فلان، لا وارث له غيره ما يدريه بهذا، ولربما كان ذلك في العبد الآبق، والجمل الشارد، فإذا وجد عند بعض من اشتراه جاء صاحبه الأول بمن شهد له أنه عبده أو جمله، ما باع ولا وهب ما يدريهم بهذا، فلا أرى شهادة من شهد هكذا تجوز، ولا أرى أن يشهد في مثل هذا إلا أنه لا يعلم له وارثا غيره، أو أنه جمله أو عبده لا نعلم أنه وهبه ولا باعه، فإذا شهدوا هكذا رأيت الشهادة جائزة جيدة، ومن القضاة من يكلف الناس البينة، ولا أرى ذلك جائزا ولا يقبل منهم هذا الأخذ، وهذا الذي أرى أنا جائزا.
قال: فإذا شهدوا هكذا على العلم كان جائزا.
قال: نعم، فقيل له: فإن شهد هذان الرجلان، فقال أحدهما: أشهد أنه وارثه ولا أعلم له وارثا غيره، وقال الآخر: أشهد أنه وارثه ولا أعلم له وارثا غيره وزوجة له، قال: هذا جائز، وأرى أن يوقف المال حتى يتبين من ذلك أنه مع الوارث زوجة أم لا.
قيل له: إنما مات بمصر، قال: يكتب إلى ذلك البلد حتى يتبين ذلك، قلت: ولا يحبس حق الزوجة فقط، ويدفع إلى هذا حظه، قال: لا، ولكن يحبس المال كله حتى يتبين من ذلك، قال أشهب: أرى الوارث بالخيار، إن شاء حلف مع شهادة الذي شهد له أنه لا يعلم له وارثا غيره، وأخذ المال كله، فإن أبى اليمين عزل من المال ما كان ينوب الزوجة لو كانت ثبت لها أنها زوجته، وصار للوارث ما بقي من المال بغير يمين.
قال سحنون: سئل ابن القاسم: عن الشاهدين يشهدان أن فلانا وارث فلان لا يعلم له وارثا غيره، ويقول أحدهما أو كلاهما وزوجة بموضع كذا وكذا، فقال: إن شهدا على الزوجة كلاهما ثبتت شهادتهما، ولم يقسم شيء من المال حتى تحضر الزوجة أو توكل أو يقسم لها القاضي، وإن كان أحدهما قال ذلك لم يعجل في قسم شيء من المال حتى يتبين ما قال الشاهد، فإن طال ذلك أعطي الوارث المال كله.
قال محمد بن رشد: لم يجز في هذه الرواية شهادة الشهود إذا شهدوا أنه لا وارث لفلان إلا فلان، وذلك يقضي بصحة تأويل من حمل ما في كتاب الشهادات وكتاب العارية من المدونة على ظاهره، من أن شهادة الشهود إذا شهدوا أنه ما باع ولا وهب شهادة لا تجوز، إذ قال فيها: إنها غموس وباطل، خلاف ما ذهب إليه ابن لبابة من أنها على مذهبه جائزة، وإن سماها غموسا وباطلا بدليل قوله عقب ذلك: وأرى أن يحلف. والأظهر أن قوله: وأرى أن يحلف- إنما يعود على ما قبل ذلك من الشهادة الصحيحة، فوقع في الكلام تقديم وتأخير.
وابن الماجشون من أصحاب مالك لا يجيز الشهادة في ذلك على العلم بأن يقولوا في الاستحقاق ما نعلمه باع ولا وهب، وفي الوراثة ما نعلم له وارثا غيره، ولا يرى الحكم بها حتى يشهدوا أنه ما باع ولا وهب ولا وارث له غيره، وهو مذهب أهل العراق؛ لأنهم يقولون: العلم كيفما وصل وكيفما أمكن وصوله من معرفة أو غلبة ظن يؤدي إلى اليقين، والقولان محتملان، وذلك أنه لا يصح للشاهد في الوراثة أن يشهد أن فلانا وارث فلان لا يعلم له وارثا غيره، إلا أن يكون قد تيقن أنه لا وارث له سواه يقينا لا يدخله فيه شك ولا ارتياب، فإن دخله في ذلك شك أو ارتياب من وجه من الوجوه، أو لم يداخله فيه شك ولا يحصل فيه عنده يقين لم يصح له أن يشهد أنه لا يعلم له وارثا سواه، وإن كان صادقا في قوله إنه لا يعلم له وارثا غيره، فخشي ابن الماجشون إذا شهد أنه ما يعلم له وارثا غيره ألا يكون عنده بذلك يقين، ولذلك لم يجز شهادته حتى يشهد أنه لا وارث له سواه، ولم يجز له مالك أن يشهد أنه لا وارث له سواه، إذ لا يصح له القطع على ذلك، لاحتمال أن يكون له وارث لم يعلم به، واكتفى منه بهذه العلة أن يشهد أنه ما يعلم له وارثا سواه.
وقول ابن الماجشون أظهر؛ لأن اليقين يقرب من العلم، وإن لم يكن حقيقته علما، ولا حرج على من قال فيما يتيقنه ولا يصح أن يعلمه علما يصح له به القطع عليه أعرف كذا وكذا، مثال ذلك: أن الرجل يشهد في الرجل المسلم الظاهر الخير والصلاح أنه مؤمن عدل رَضِيٌّ، فلا يكون كاذبا في قوله بحصول اليقين عنده بإيمانه وعدله، وإن كان لا يقطع على حقيقة أمره، لاحتمال أن يبطن خلاف ما يظهر، ولا يعلم ما يبطن سواه إلا الله عز وجل المطلع على ما في القلوب من الاعتقادات.
ولو قيل في هذه المسألة: إن الشهود إن كانوا ممن يعلم أن الشهادة على العلم لا تصح إلا مع اليقين قبلت منهم على العلم، وإن كانوا ممن يجهل ذلك لم يقبل منهم إلا على البت؛ لأن الجاهل يظن ما يتيقنه ويعتقد صحته بغالب ظنه علما لكان قولا، فبهذا أقول، وإذا شهد أحد الشاهدين في الميت أنه لا يعلم له وارثا غير فلان، وشهد الآخر أنه لا يعلم له وارثا غيره وغير امرأته، فاتفقت رواية أشهب عن مالك وسحنون عن ابن القاسم أن المال كله يوقف حتى يتبين أمر الزوجة، فإن طال ذلك أعطى الوارث المال كله على ما قاله ابن القاسم، وهو مفسر لقول مالك، يريد بعد أن يحلف أنه ما يعلم له زوجة، واليمين هاهنا لا ينبغي أن يختلف فيها من أجل الشاهد بالزوجة، سواء لم توجد المرأة حتى طال الأمد أو وجدت ولم تجد شاهدا آخر يشهد لها حتى طال الأمد لأن الوارث قد ثبت نسبه بشهادة الشاهدين فوجب أن يعطى جميع المال إذا طال الأمد.
ولو لم يكن للميت وارث ثابت النسب فادعت امرأة أنها زوجته، وشهد لها بذلك شاهد واحد لحلفت مع شاهدها وأعطيت ميراثها بعد الاستيناء على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وما مضى في آخر الرسم الذي قبل هذا من قول مالك خلاف قول أشهب، وإنما لم ير أن يوقف حق الزوجة خاصة ويدفع إلى الوارث حقه مخافة أن يتلف ما وقف لها فتجد شاهدا آخر وقد استهلك الوارث ما قبضه وهو عديم فيذهب حقها، ويكون هو قد ورث دونها.
وأما قول أشهب: إن الوارث بالخيار بين أن يحلف مع شاهده الذي شهد له أنه لا يعلم له وارثا غيره، ويأخذ المال كله، وبين أن يأخذ منه ما سوى حق الزوجة بغير يمين، فالوجه فيه: أن الذي شهد له أنه لا يعلم له وارثا غيره شهد له بجميع المال، والذي شهد أنه يعلم له زوجة، شهادته بالزوجة لا تجوز؛ لانفراده بالشهادة لها بحصول شهادته أنه شهد له بثلاثة أرباع المال، أو بسبعة أثمانه إن كان ابْنًا، فَأَشْبَهَ ذلك الرجل يشهد له شاهد بمائة وشاهد بخمسين أنه إن شاء حلف مع شاهده بالمائة ويأخذها، وإن شاء أخذ الخمسين بغير يمين، وقوله: إنه إن شاء أن يأخذ ما سوى حق الزوجة بغير يمين، خلاف قول مالك في أول الرسم لابن كنانة أنه يستحلف، وقد مضى القول على ذلك، وقول مالك وابن القاسم أصح من قول أشهب وأولى بالصواب؛ لأن الذي شهد بالزوجية علم ما لم يعلم الشاهد الآخر فيبعد أن يحلف الوارث مع الشاهد الآخر، وأن يقاس ذلك على الذي شهد له شاهد بمائة وشاهد بخمسين؛ لأن الذي شهد بالمائة بت له الشهادة بها، وزاد في شهادته على الذي شهد بالخمسين، والذي شهد أنه لا يعلم له وارثا غيره لم يبت له الشهادة بجميع المال، ولا زاد في شهادته على الآخر بل نقص، إذ لم يعلم من أمر الزوجة ما علم هو، وبالله التوفيق.

.مسألة حكم شهادة الرجل المرضي ولكنه يشرب النبيذ:

وسئل: عن الرجل المرضي في كل حالة لا تعرف له زلة إلا أنه يشرب نبيذ التين، قال: إن كان مسكرا فأرى أن ترد شهادته.
قال محمد بن رشد: قوله فأرى أن ترد شهادته إن كان يسكر، يريد: إن كان النبيذ يسكر، فأرى أن ترد شهادته وإن شرب منه قليلا لا يسكر، وهذا بين على ما قال، لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وهذا إذا شربه غير متأول ولا متمذهب بمذهب من أباح منه ما دون السكر، وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، فأما إذا شربه متمذهبا بمذهبهم معلوم بالصلاح والفضل، غير متهم باستباحة ما لا يحل له، فلا ترد شهادته إلا أن يسكر منه، وهكذا قرأناه إن كان يسكر بضم الياء وكسر الكاف، ويحتمل أن يقرأ يسكر بفتح الياء والكاف، أي: كان هذا الرجل الذي يشرب النبيذ المسكر فيسكر، فأرى أن ترد شهادته، وإن كان على الصفة التي وصفت من الرضا في جميع أحواله، إذ لا اختلاف بين الأمة في أن السكر من جميع الأنبذة حرام كالسكر من خمر العنب والتمر، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يأتي على الرجل بشاهد واحد هل يحلف معه:

ومن كتاب القضاء لأشهب:
وسئل: عن الرجل يأتي على الرجل بشاهد واحد أنه شتمه أيكون له أن يحلف مع شاهده ويستحق ذلك عليه؟ أم يستحلف المدعى عليه ويبرأ؟
فقال: ما أرى أن يحلف في مثل هذا مع الشاهد، وليس في هذا يمين مع الشاهد، ولكن أرى إن كان الشاتم معروفا بالشتم والسفه أن يعزر، ولا يكون على المدعي يمين مع شاهده، ولا أرى أن يحلف مع الشاهد في مثل هذا، قلت: إنك لا ترى في مثل هذا يمينا مع الشاهد، أفترى على المدعى عليه يمينا؟ قال: نعم، ولعسى به أن أكون أرى عليه اليمين، ولعساني أن أكون أراه، ولكن ليس كلما أُرِيَ المرء أراد أن يجعلوه سنة يذهب به إلى الأمصار.
قال محمد بن رشد: تفسير قول مالك في هذه الرواية هو أن الرجل إذا ادعى على الرجل أنه شتمه، وأقام على ذلك شاهدا واحدا لم يحلف مع شاهده، ونظر في المدعى عليه فإن كان معروفا بالشتم والسفه عزر ولم يستحلف، وإن لم يكن معروفا بذلك استحلف، إلا أنه ضعف اليمين، فقال: ولعساني أن أكون أرى اليمين ولكن ليس كلما أُرِيَ المرء أراد أن يكون سنة يذهب بها إلى الأمصار.
والأظهر على أصولهم إيجاب اليمين، فتضعيفها ضعيف، وقد قيل: إن المدعى عليه يستحلف إذا كان للمدعي شاهد على دعواه، كان معروفا بالشتم والسفه أو لم يكن، وهو ظاهر ما في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الحدود، وما في رسم الحدود من سماع أصبغ منه، فإن حلف برئ، وإن نكل ففي سماع ابن القاسم المذكور أنه يسجن أبدا حتى يحلف، وفي سماع أصبغ المذكور: أنه إن طال سجنه جدا ولم يحلف خلي سبيله ولم يؤدب.
وقال أصبغ: إن كان معروفا بالأذى والفحش أدب، وإلا فأدبه حبسه الذي حبس، فهذه الرواية موافقة لما في السماعين المذكورين من كتاب الحدود في أن المدعي لا يحلف مع شاهده مخالفة لما فيهما من إيجاب اليمين على المدعى عليه على ضعف في حال دون حال، وقد قيل: إنه يحلف مع شاهده ويحد له، وروي ذلك عن مطرف، وهو شذوذ أن يحد في الفرية بالشاهد مع اليمين.
ويتخرج في المسألة قول ثالث: إنه لا يحلف مع شاهده في الفرية، ويحلف معه فيما دون الفرية من الشتم الذي يجب به الأدب.
وكذلك اختلف في القصاص من الجراح العمد بالشاهد مع اليمين، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقتص بالشاهد مع اليمين، وهو قول مالك في كتاب الأقضية من المدونة، والثاني: أنه لا يقتص بالشاهد مع اليمين، وهو قول ابن القاسم في كتاب الشهادات منها، والثالث: أنه يقتص بالشاهد مع اليمين فيما صغر من الجراح ولا يقتص بذلك فيما عظم منها، مثل قطع اليد وشبهه، وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك واختيار سحنون.
وكذلك اختلف أيضا إن لم يأت المدعي بشاهد ولا سبب على دعواه في الشتم أو في جراح العمد على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يمين على المدعى عليه، وهو قول مالك في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الحدود، قاله في دعوى الفرية.
والثاني: أن عليه اليمين، وهو قول مالك في رسم العقول والجنائز من كتاب الجنايات.
والثالث: أنه لا يمين عليه إلا أن يكون مشهورا بذلك، وهو قول ابن القاسم في أول سماع أصبغ من كتاب الجنايات.
فإن حلف على رواية أشهب، أو على رواية أصبغ إذ كان مشهورا بذلك برئ، وإن نكل عن اليمين سجن حتى يحلف ما لم يطل ذلك، فإن طال خلي سبيله ولم يؤدب، وقال أصبغ: إنه يؤدب إن كان معروفا بالأذى على أصله المتقدم، قال: وإن كان مبرزا في ذلك أي مشتهرا به مبرزا فيه خلد في السجن، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة وتلخيصه، وبالله التوفيق.

.مسألة كتب إليها زوجها بطلاقها مع من لا شهادة له هل تشهد على الخط:

وسئل مالك: عن امرأة كتب إليها زوجها بطلاقها مع من لا شهادة له، فوجدت المرأة من يشهد أن هذا خط يد زوجها، فقال: إن وجدت من يشهد لها على ذلك نفعها ذلك.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في مختصر ابن عبد الحكم، وحكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ: أن الشهادة على الخط لا تجوز في طلاق، ولا عتاق، ولا نكاح، ولا حد من الحدود، ولا في كتاب القاضي إلى القاضي، ولا في كتاب القاضي بالحكم، ولا تجوز إلا فيما كان مالا من الأموال كلها خاصة، ووقعت الشاهدة عليها بعينها، وحيث لا تجوز شهادة النساء ولا اليمين مع الشاهد فثم لا تجوز الشهادة على الخط، وحيث يجوز هذا، يجوز هذا، فكان يمضي لنا عند من أدركنا من الشيوخ أن ما حكى ابن حبيب من هذا عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ فهو مذهب مالك لا خلاف فيه، وإن صح معنى قوله في هذه الرواية، وفي مختصر ابن عبد الحكم بمعنى ذلك، أي: يكون لها شبهة توجب لها اليمين على الزوج أنه ما طلق.
والذي أقول به: إن معنى ما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ إنما هو أن الشهادة لا تجوز على خط الشاهد في طلاق ولا عتاق ولا نكاح، لا أنها لا تجوز على خط الرجل أنه طلق أو أعتق أو نكح، بل هي جائزة على خطه بذلك، كما تجوز على خطه بالإقرار بالمال، وذلك بين من قوله: ولا تجوز إلا فيما كان مالا من الأموال ووقعت الشهادة عليها بعينها إلى آخر قوله.
فالصواب أن يحمل قول مالك: نفعها ذلك- على ظاهره من الحكم لها بالطلاق عليه إذا شهد على خطه به شاهدان عدلان، وذلك إذا كان الخط بإقراره على نفسه بأنه قد طلق زوجته، مثل أن يكتب إلى رجل يعلمه أنه قد طلق زوجته، أو يكتب لزوجته بذلك على هذا الوجه فيشهد لها فيه على خطه.
وأما إن كان الكتاب إنما هو بطلاقه إياها ابتداء فلا يحكم عليه به إلا أن يقر أنه كتبه مجمعا على الطلاق. وفي قبول قوله: إنه كتبه غير مجمع على الطلاق بعد أن أنكر أن يكون كتبه- اختلاف، والله الموفق.

.مسألة رجل شهد على رجل أنه حلف بطلاق زوجته في حق عليه فحنث:

وسئل: عن رجل شهد على رجل أنه حلف بطلاق زوجته في حق له عليه ليرفعنه إليه فحنث، فقال: ما هو بجائز الشهادة عليه.
قال محمد بن رشد: ليس إسقاط شهادته في هذا ببين، وكان الأظهر أن تجوز شهادته عليه إذا شك عليه أنه قد حنث؛ لأن وقوع الطلاق عليه لا يدعوه إلى أن يعجل له حقه، وإنما يدعوه إلى ذلك اليمين بالطلاق ليقضينه إلى أجل مخافة أن يقع عليه الطلاق إن لم يقضه قبل الأجل، لكنه لما كان لو شهد عليه بذلك قبل أن يحنث والحق عليه لم يدفعه لم تجز شهادته، لاتهامه أن يكون إنما شهد عليه ليعجل له القضاء فلا يحنث، لم تجز شهادته عليه إذا شهد عليه أنه قد حنث، لاحتمال أن يكون قد ادعى ذلك عليه قبل الحنث فأراد أن يحقق دعواه عليه قبل الحنث بشهادته عليه بعد الحنث، وهو ضعيف، والله الموفق.

.مسألة شهادة الصبيان المماليك بعضهم على بعض في الجراح:

وسئل: عن شهادة الصبيان المماليك، وشهادة الصبيان الجواري بعضهم على بعض في الجراح، أتجوز شهادتهم فيما بينهم كما تجوز شهادة الصبيان الأحرار بعضهم على بعض في الجراح فيما بينهم؟ فقال: لا تجوز شهادة بعضهم على بعض، ولا الصبيان من الجواري، ولا تجوز إلا شهادة الغلمان الأحرار بعضهم على بعض.
قال محمد بن رشد: أما الصبيان المماليك فلا أحفظ في المذهب اختلافا في أن شهادتهم لا تجوز، وكذلك الصبيان من أهل الذمة، وإنما تجوز شهادة الغلمان الأحرار من المسلمين.
قيل: في الجراح دون القتل، وهو دليل هذه الرواية، وقول غير واحد من كبار أصحاب مالك في المدونة.
وقيل: في الجراح والقتل وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، ولا يجوز على مذهبه وروايته عن مالك في ذلك شهادة صبي واحد، ولا شهادة الإناث، وقد قيل: إنه تجوز شهادة صبي واحد مع يمين المشهود له، قيل: إذا بلغ، وقيل: يحلف والده عنه ويستحق له ما شهد له به الشاهد من ذلك، وقع ذلك لابن الماجشون وابن نافع في المبسوطة.
وقيل أيضا في شهادة الإناث: إنها جائزة في الجراح دون القتل، وقيل: بل في القتل والجراح، وهو قول المخزومي في المدونة على أحد التأويلين في قوله، قيل: وحدهن دون صبي، كما تجوز شهادة امرأتين دون رجل فيما لا يحضره الرجال، وهو قول ابن الماجشون، وقيل: لا تجوز منهن شهادة اثنتين إلا مع صبي وهو قول مطرف، وقول سحنون في نوازله بعد هذا من هذا الكتاب.
فوجه من لم يجز شهادتهن بحال هو أن السنة إنما جاءت عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير في شهادة الصبيان، وهم الذين يقع بينهم الجراح في غالب الأحوال، ونفي الصبايا على الأصل في المنع من قبول شهادتهن.
ووجه من أجاز شهادتهن دون صبي هو أن العادة عنده أنهن لا يختلطن مع الصبيان في لعبهن، فوجب أن تجوز شهادة اثنتين منهن دون صبي، إذ ليس موضعا يحضره الصبيان في الغالب.
ووجه من لم يجز شهادتهن إلا مع صبي هو أن العادة عنده أنهن يختلطن مع الصبيان في اللعب، فوجب أن تقام الصبيتان مقام صبي فلا تجوز إلا مع صبي، وإنما تجوز شهادة الصبيان الذكور دون الإناث، وكل واحد منهما دون صاحبه، أو الإناث مع الذكر الواحد ما لم يتفرقوا أو يخببوا، فإن تفرقوا فلا تجوز شهادتهم إلا أن يكون قد أشهد العدول على شهادتهم قبل أن يتفرقوا، وهذا ما لا اختلاف فيه.
واختلف هل من شرط جواز شهادتهم ألا يحضره غيرهم من الرجال العدول؟ فذهب ابن حبيب إلى أن ذلك من شرط جواز شهادتهم، وهو مذهب ابن سحنون في نوازله، خلاف ما يقوم من قول أصبغ في نوازله، وخلاف ما في ظاهر المدونة عندي، ولا تجوز شهادة الصبيان عند من أجازها الكبير على كبير، وتجوز الصغير على صغير، واختلف في إجازتها لكبير على صغير، ولصغير على كبير، فلم يجز ذلك ابن القاسم، وأجازه ابن الماجشون، وقد وقع لمطرف في المبسوطة أن الصبيان لا تجوز شهادتهم بحال لا على صغير ولا على كبير في جرح ولا قتل؛ تعلقا بظاهر قول الله عز وجل: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]، إذ ليس الصبي يرضى في شهادته، وذلك خلاف المشهور في المذهب المعلوم فيه.
ووجه إجازتها على المعلوم في المذهب: الإتباع لما جاء في ذلك عن السلف رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، مع أن له حظا من النظر، وهو أن الشهادة لما كان طريقها اليقين لغالب الظن بصحتها، دون العلم بمغيبها جاز أن يكتفي فيها بشهادة الصبيان في الموضع الذي لا يحضره إلا الصبيان، كما يكتفي بشهادة النساء في الموضع الذي لا يحضره إلا النساء، وإن شهد الصبيان على الصبي أنه جرح صبيا فَنُزِيَ فِي جرحه فمات لم يكن في ذلك قسامة عند ابن القاسم، خلاف قول ابن نافع في المدونة.
واختلف إن شهد رجل على صبي أنه قتل رجلا أو صبيا، فقيل: لا قسامة في ذلك، وهو ظاهر ما في المدونة ونص ما في الأسدية، وقيل: فيه القسامة، وهو قوله في كتاب ابن المواز، وأما إن شهد رجل على كبير أنه قتل صبيا أو كبيرا فلا اختلاف في وجوب القسامة في ذلك، وبالله التوفيق والحمد لله رب العالمين وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم.

.كتاب الشهادات الثاني:

.مسألة شهدا على رجل بمائة دينار فحكم عليه القاضي ثم رجع أحدهما:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم قال: سألت ابن القاسم عن الرجلين شهدا على رجل بمائة دينار فحكم عليه بها القاضي وقبضت منه، ثم رجع أحدهما فقال: وهمت أو قال: قد كان قبضها، فقال: إن قال: كان قد قبضها ولكن وهمت فلا شيء عليه، ولا يرد القضاء، وإن قال: إني شهدت بزور فعليه نصف الحق، قال ابن القاسم: وإنما يغرم الشاهد فيما تعمد إلا في الديات، قلت: ففي القتل إذا ادعى الشهود الوهم أو الشبه أيكون ذلك على العاقلة؟ قال: لا يكون من ذلك على العاقلة شيء.
قال محمد بن رشد: قوله: إنما يغرم الشاهد فيما تعمد إلا في الديات فإنه يغرم في العمد والخطأ؛ لأنه استثناء منقطع، وتقديره على الاتصال وإنما يغرم الشاهد فيما تعمد ولا يغرم فيما لم يتعمد إلا في الديات، وقوله: إنه لا يغرم فيما عدا الديات إلا أن يتعمد الشهادة بزور هو خلاف ظاهر ما في كتاب السرقة من المدونة؛ لأن الظاهر من قول ابن القاسم فيه أن الشاهد يضمن ما أتلف بشهادته من المال، ويكون في الديات الدية في ماله إذا رجع عن شهادته بعد الحكم، وإن زعم أنه شبه عليه ولم يتعمد الزور، وهو ظاهر ما مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم ونص ما حكاه ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن القاسم وأصبغ خلاف رواية عيسى هذه في الأموال وموافق لها في الحدود، وتفرقته في الأموال بين أن يتعمد الزور أو يشبه عليه هو قول ابن الماجشون، حكى ذلك ابن حبيب عنه، وأنه قال: وهو قول جميع أصحابنا المغيرة وابن دينار وابن أبي حازم وغيرهم.
وأما الديات ففيها أربعة أقوال؛ أحدها: أن الدية في مال الشاهدين إذا رجعا عن شهادتهما بعد الحكم تعمدا الزور أو شبه عليهما، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وفي الواضحة وقول مطرف وأصبغ فيها، وظاهر ما في كتاب السرقة من المدونة.
والثاني: أنه إن تعمدا كان عليهما القصاص، وإن شبه عليهما كانت الدية في أموالهما، وهو قول ابن نافع وأشهب، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثالث: أنهما إن تعمدا كانت الدية من أموالهما، وإن شبه عليهما كانت على عواقلهما، وهو قول أصبغ في سماعه من كتاب الديات.
والرابع: أنهما إن تعمدا كانت الدية في أموالهما، وإن شبه عليهما كان هدرا، وهو قول ابن الماجشون والمغيرة وابن دينار وابن أبي حازم وغيرهم، فيتحصل في التعمد قولان؛ أحدهما: القصاص، والثاني: الدية في المال، وفي التشبيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الدية في المال، والثاني: أنها على العاقلة، والثالث: أنها هدر، وإذا رجع أحد الشاهدين بعد الحكم فوجب عليه الغرم غرم نصف المال أو نصف الدية، فإن كان الشهود ثلاثة فرجع أحدهم لم يلزمه شيء، واختلف إن رجع بعد ذلك أحد، فقيل: يكون عليه وعلى الراجع قبله نصف المال، وهو قول ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وأصبغ، وقيل: يكون عليهما ثلثا المال، وهو قول ابن وهب وأشهب، فإن رجعوا ثلاثتهم كان المال عليهم أثلاثا، فلا خلاف إذا رجع الشهود كلهم في أن المال يكون عليهم على عددهم، ولا اختلاف أيضا في أنه لا شيء على من رجع إذا بقي من الشهود شاهدان فأكثر، وإنما الاختلاف إذا كان الشهود أكثر من اثنين مثل أن يكونوا عشرة فيرجع منهم تسعة فقيل: إنه يكون عليهم نصف المال، فإن رجع العاشر كان جميع المال على جميعهم بالسواء، وقيل: بل يكون عليهم تسعة أعشاره، فإن رجع العاشر كان عليه العشر الباقي على حسب ما ذكرناه، واختلف أيضا فيما استحق بشاهد ويمين فرجع الشاهد بعد الحكم وأقر أنه شهد بزور فقيل: عليه نصف الحق؛ لأن اليمين مقام الشاهد الآخر، وهو قول ابن الماجشون، وقيل: عليه جميع الحق، وهو قول ابن القاسم وابن وهب واختيار ابن حبيب.
وإذا رجع الشاهد عن شهادته وكان قد شهد بزور ولم يشبه عليه فلا تجوز شهادته فيما يستقبل كان رجوعه قبل الحكم أو بعده، وأما إن كان شبه عليه ولم يتعمد الزور فلا ترد شهادته فيما يستقبل كان رجوعه قبل الحكم أو بعده، هذا قول ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ وهو قول سحنون في سماع يحيى من هذا الكتاب، وظاهر ما في كتاب الأقضية من المدونة أن شهادته لا تجوز فيما يستقبل إذا كان رجوعه بعد الحكم، وإن كان قد شبه عليه ولم يتعمد الزور، وبالله التوفيق.

.مسألة قولهما إنا رأينا فلانا يزني ومعنا فلان وفلان:

وعن رجلين شهدا على رجل بالزنى، وقالا: معنا شاهدان آخران فلان وفلان وهما في البلد هل يمكنا أن يأتيا بهما أم يحدان إذا لم يأتوا جميعا، قال: أرى أن يحدا، وذلك أن قولهما: إنا رأينا فلانا يزني ومعنا فلان وفلان إنما يقولان: سلوا فلانا وفلانا يصدقان ما قلنا فإن قالا: نعم ثبتت شهادتهما، وإن قالا لا كانا قاذفين، فليس هذا وجه الشهادة إلا أن يأتوا جميعا، وقد بلغني ذلك عن مالك.
قال القاضي: علل ابن القاسم في هذه المسألة ضعف الشهادة وإيجاب الحد على الشاهدين بعلتين؛ إحداهما: تفرق الشهود في الشهادة فقال: ليس وجه الشهادة إلا أن يأتوا جميعا، والثانية: قول الشاهدين اللذين شهدا معنا فلان وفلان؛ لأنهما حصلا بقولهما هذا في معنى من قام على رجل بالزنى وشهد عليه به فلا يجزئه أن يأتي بثلاثة شهود سواه، ويحد إلا أن يأتي بأربعة شهداء، فكذلك هذان يحدان إن لم يأتيا على تصديق شهادتهما عليه إلا بشاهدين، وقوله: فإن قالا: نعم ثبتت شهادتهما، وإن قالا: لا كانا قاذفين هو من قول ابن القاسم على سبيل الإنكار بعد تمام ما حكي من معنى قولهما، كأنه قال: أثبتت شهادتهما إذا قالا نعم، وإلا كانا قاذفين هذا ما لا يصح، بل هما قاذفان على كل حال يحدان، وقد قيل: إن الشهادة على الزنى جائزة وإن تفرق الشهود ولم يأتوا معا، وعلى هذا القول يأتي ما وقع لابن القاسم في أول رسم المكاتب من سماع يحيى بعد هذا، وهو قول ابن الماجشون، واختلف أيضا إن كان الشهود في الزنى هم القائمون على المشهود عليه به، فقال ابن القاسم في رسم أوصى من هذا السماع: إن شهادتهم لا تجوز، وحكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ أن شهادتهم جائزة، وإن كانوا هم القائمين بذلك مجتمعين جاءوا أو مفترقين إذا كان افتراقهم قريبا بعضهم من بعض، وبالله التوفيق.